الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

77

الأخلاق في القرآن

تتركها حرّةً ، لأنّه سيقول : إنّ الشّجرة يجب أن تكون حرّةً لكي تُثمر ، لا أن معوّجة فتذهب بأتعابي سُدىً . وكذلك بالنسبة للإنسان ، فلديه ملكاتٌ وقابلياتٌ مُتنوّعةٌ ومهمّةٌ ، وإذا ما نُظِّرت تَنظيراً صحيحاً ، فستصعد به إلى أعلى درجات الرّقي والكمال المادّي والمعنوي ، فهو حرٌّ في الاستفادة من قابلياته في الطّريق السّليم ، لا أن يُهدِر هذه القابليّات في الطرق المنحرفة . فالذّين فسرّوا الحريّة ، بمعناها العام الشّامل بلا قيد ولا شرط ، ففي الحقيقة لم يفهموا معنى الحريّة ، فالحريّة هي الاستفادة من الطّاقات في الطّريق الصّحيح ، الذي يوصله للأهداف العُليا : ( ماديةٌ كانت أم معنويةٌ ) . ومثالٌ آخر ، حرّية المرورِ والعبورِ في الطّرق الواسعة والضّيقة ، فالغرض هو وصول الإنسان لمقصده ، ولكن هذا لا يعني أبداً ، عدم الالتزام بقوانين المرور ، حيث يؤدي إلى الهرج والمرج ، والفَوضى في حركة المرور . فلا يوجد إنسانٌ عاقلٌ يقول : إنّ التّقيد بقوانين المرور ورعايتها ، مثل التّوقف عند الضّوء الأحمر ، أو عدم المرور في طريقٍ ما ، أو السّير على الجانب الأيمن ، وما شابهها من الأمور ، التي توجب تحديد حريّة السّائق ، فالكلّ سوف يستهزيء بمثل هذا الكلام ، حيث يقال له ، إنّ الحرّية يجب أن تكون ؛ ضمن المقررات والقوانين التي تراعى من أجل سلامة الإنسان وأموال وممتلكات الآخرين ولا تسبب في الهرج والمرج ، وقتل الأبرياء دون مُبرِّر ، أو تفضي إلى عدم الوصول بسلامةٍ للمقصد والغاية . فكثيرٌ من هذه الحريّات هي كاذبةٌ ، ونوعٌ من التّقييد الحقيقي . فالشّاب الذي يسئ الاستفادة من حريته ، ويستعمل المخدّر المميت ، فهو في الواقع يكون قد أمضى حُكم أسرِهَ وتَسلّط الغير عليه ، فالحريّة التي تُصاحب الالتزام بالموازين الأخلاقية ، هي التي تُعطي للإنسان الحريّة الحقيقيّة وتجعله متمكنّاً من نفسه ومسيطراً على أهوائه ونوازعِهِ النّفسية ، وكم هو جميل كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، حيث يقول :